الحرب والجوع تدفع مئات الأطفال اليمنيين إلى الشارع للتسوّل

15 شباط/فبراير 2017


ما إن تتوقف السيارة في وسط صنعاء، حتى يهرع خمسة أطفال اليها: واحد يرش سائلا على الزجاج الامامي، وآخر يمسح الزجاج الخلفي، والثلاثة الاخرون يلتصقون بنافذة السيارة من جهة السائق طالبين منه المال.

 

يحاول السائق تجاهلهم، فيرفع زجاج النافذة بعصبية، لكن الأطفال الخمسة يكررون طلبهم مرة تلو الاخرى، على أمل أن يبدل السائق رأيه ليعودوا إلى الرصيف بمبلغ يؤمن لهم وجبة طعام في مدينة تقف عند حافة المجاعة.

 

في اليمن، البلد الفقير الذي يعيش نزاعا مدمرا منذ سنتين، وجد هؤلاء الأطفال ومئات غيرهم من الفتية أنفسهم مضطرين للتسول من اجل تأمين الطعام لعائلاتهم بعد مقتل أولياء امورهم او فقدانهم مصدر رزقهم.

 

وقتل والد مصطفى في النزاع الدامي الذي يهز اليمن منذ 2014. وأصبح الطفل البالغ من العمر 15 عاما، فجأة مسؤولا عن والدته وأربعة من أشقائه.

 

ويقول مصطفى أحمد عبدالله “مات أبي في الحرب في حرض (محافظة حجة شمال صنعاء). لدي ثلاثة اخوة وأمي، والآن نحن نتسول في شوارع صنعاء لأننا لم نعد نجد ما نأكله”.

 

ويضيف الفتى النحيل وهو يبحث عن سيارة متوقفة ليطلب المال من سائقها “حاولت العمل لكنني لم أعثر على وظيفة، فوجدت نفسي في الشارع، وجلّ ما أحصل عليه في آخر النهار هو 1200 ريال”، ما يعادل نحو خمسة دولارات.

 

 

- اكبر الاثمان

 

على مقربة من مصطفى في شارع القاهرة في وسط العاصمة التي يسيطر عليها المتمردون الحوثيون منذ ايلول/سبتمبر 2014، وبين ابنيتها التاريخية البنية والبيضاء، تنتقل عبير وشقيقها عبد الرحمن من سيارة إلى اخرى.

 

وغطت الطفلة البالغة من العمر ثمانية اعوام رأسها بحجاب أرجواني، وكانت تحمل حقيبة ملونة صغيرة تضع فيها المال الذي يتصدق به عليها العابرون، بابتسامة وبحركة سريعة.

 

وتقول عبير وهي تمسك بيد شقيقها عبد الرحمن الذي وقف إلى جانبها حافي القدمين “ليس لدينا ما نأكله. خرجنا إلى الشارع لنجمع بعض المال او الطعام”.

 

في البلد الواقع على الحدود مع المملكة العربية السعودية التي تقود تحالفا عسكريا ضد المتمردين الحوثيين في اليمن، تسبب النزاع بتدهور الاوضاع الانسانية والصحية بشكل كبير لنحو 26 مليون يمني. وبات أكثر من ثلثي السكان محرومين من الحصول على العناية الطبية اللازمة، ويصعب الوصول إلى الغذاء.

 

وتؤكد منظمة الامم المتحدة للأطفال (يونيسف) ان سوء التغذية والامراض تتسبب بوفاة طفل واحد على الاقل كل عشر دقائق في اليمن، مشيرة إلى ان حوالي 2,2 مليون طفل يمني يعانون من سوء التغذية الحاد ويحتاجون إلى العناية العاجلة. كما تشير ارقام اليونيسف إلى ان 1400 طفل قتلوا في النزاع منذ بدايته.

 

ويقول احمد القرشي، رئيس منظمة “سياج” المستقلة التي تعمل على تعزيز وحماية حقوق الطفل ومقرها العاصمة اليمنية، “الأطفال هم أكثر من يدفع ثمن الحرب”.

 

ويشير إلى ان مقتل آبائهم او فقدان أرباب العائلات لوظائفهم يدفع أطفالهم نحو النزول إلى الشارع للتسول، مضيفا “هناك ارتفاع كبير جدا في أعداد الأطفال الذين يمتهنون التسول. اعدادهم باتت بالمئات” في صنعاء.

 

 

- موت يسابق العلاج

 

وتحولت شوارع المدينة الخاضعة لسيطرة الحوثيين المناهضين للرئيس المعترف به عبد ربه منصور هادي، إلى ما يشبه منازل ثانية لهؤلاء الأطفال يأكلون ويشربون فيها خلال فترة تسولهم المال والطعام.

 

ويتجمع معظمهم امام المساجد والمطاعم، وتبدو على وجوههم واجسادهم النحيلة آثار التعب والارهاق جراء قلة الغذاء. ويجلس بعضهم قرب أمهاتهم اللواتي يبعن المحارم الورقية او يمسحن زجاج السيارات.

 

وتقول رغد البالغة من العمر ثمانية اعوام والتي تحمل بيدها عبوة بلاستيكية وضعت فيها سائلا لتنظيف زجاج السيارات،

 

“لم نعد نجد ما نأكل او نشرب. وهذا كل ما نريده”. ثم تهرع إلى احدى السيارات.

 

وحذر برنامج الأغذية العالمي من تدهور وضع الامن الغذائي وتزايد معدلات سوء التغذية لدى الأطفال في اليمن. ويخشى البرنامج ان “جيلا كاملا يمكن أن يصاب بالعجز بسبب الجوع″.

 

وطلبت الامم المتحدة الاربعاء 2,1 مليار دولار لكي تؤمن مساعدات هذه السنة لنحو 12 مليون شخص متضررين من النزاع في اليمن، اي قرابة نصف عدد سكان هذا البلد.

 

وقال مسؤول العمليات الانسانية لدى الامم المتحدة ستيفن اوبراين ان “سنتين من الحرب ألحقتا الخراب باليمن وبملايين الأطفال والنساء والرجال الذين هم بحاجة ماسة لمساعدتنا. وبدون دعم دولي، فانهم يواجهون خطر التعرض لمجاعة عام 2017″.

 

ويقول طبيب الأطفال احمد يوسف الذي يعمل في أحد المراكز الصحية في صنعاء ان “سوء التغذية ظهر بشكل مفاجئ وبدأ يتصاعد. واليوم، لا الدولة ولا منظمات المجتمع المدني قادرة على توفير ما يلزم لمعالجة هذه الكارثة”.

 

ويضيف “لا أحد قادر على توفير العلاج والطعام. الأطفال تركوا لمصيرهم”.

 

ويروي يوسف ان هناك آباء “يطلبون معالجة أطفالهم المصابين بسوء التغذية، فنكتب لهم العلاج على ورقة. يأخذ الاب الورقة، يبيع ممتلكاته، يتوسل المال، يفعل كل شيء ليشتري العلاج”. لكن في بعض الحالات “يموت الطفل، وتبقى ورقة العلاج بيد والده”.

Facebook

Twitter

Top